لسان الدين ابن الخطيب

14

الإحاطة في أخبار غرناطة

بناه الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ، أمير المؤمنين الخليفة « 1 » بقرطبة ، رحمه اللّه ، على تأسيس حنش بن عبد اللّه الصّنعاني الشافعي ، رحمه اللّه ، وعلى محرابه لهذا الوقت : « بسم اللّه العظيم ، بنيت للّه ؛ أمر ببنائها الأمير محمد بن عبد الرحمن ، أكرمه اللّه ، رجاء ثوابه العظيم ؛ وتوسيعا لرعيته ؛ فتمّ بعون اللّه على يدي عبد اللّه بن عبد اللّه ، عامله على كورة إلبيرة في ذي قعدة سنة خمسين ومائتين » . ولم تزل الأيام تخيف ساكنها ، والعفاء يتبوّأ مساكنها ، والفتن الإسلامية تجوس أماكنها ، حتى شملها الخراب ، وتقسّم قاطنها الاغتراب ، وكلّ الذي فوق التّراب تراب . وانتقل أهلها مدة أيام الفتنة البربريّة « 2 » سنة أربعمائة من الهجرة ، فما بعدها ، ولجأوا إلى مدينة غرناطة ، فصارت حاضرة الصّقع ، وأمّ المصر ، وبيضة ذلك الحقّ ، لحصانة وضعها ، وطيب هوائها ، ودرور مائها ، ووفور مدتها ، فأمن فيها الخائف ، ونظم النّشر ، ورسخت الأقدام ، وتأثّل المصر ، وهلمّ جرّا . فهي بالأندلس ، قطب بلاد الأندلس ، ودار الملك ، وقرى الإمارة ، أبقاها اللّه متبوّأ الكلمة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها بقدرته . من « كتاب إلبيرة » « 3 » ، قال : بعد ذكر إلبيرة ، وقد خلفها بعد ذلك كله مدينة غرناطة من أعظم مدنها وأقدمها ، عندما انقلبت العمارة إليها من إلبيرة ، ودارت أفلاك البلاد الأندلسية ، فهي في وقتنا هذا قاعدة الدّنيا ، وقرارة العليا ، وحاضرة السلطان ، وقبّة العدل والإحسان . لا يعدلها في داخلها ولا خارجها بلد من البلدان ، ولا يضاهيها في اتّساع عمارتها ، وطيب قرارتها ، وطن من الأوطان . ولا يأتي على حصر أوصاف جمالها ، وعدّ أصناف جلالها ، قلم البيان . أدام اللّه فيها العزّ للمسلمين والإسلام ، وحرسها ومن اشتملت عليه من خلفائه ، وأنصار لوائه ، بعينه التي لا تنام ، وركنه الذي لا يرام . وهذه المدينة من معمور الإقليم الخامس « 4 » ، يبتدئ من الشرق ، من بلاد يأجوج ومأجوج ، ثم يمرّ على شمال خراسان ، ويمرّ على سواحل الشام ، ممّا يلي

--> ( 1 ) لم يكن محمد بن عبد الرحمن الثاني خليفة ، بل كان أميرا حكم الأندلس منذ سنة 238 ه إلى سنة 273 ه . والخلافة أقامها بالأندلس عبد الرحمن الناصر سنة 316 ه . ( 2 ) بدأت الفتنة البربرية بقرطبة سنة 399 ه . ( 3 ) هو كتاب « تاريخ علماء إلبيرة » لأبي القاسم محمد بن عبد الواحد الغافقي الملاحي ، وقد سبق ذكره في بداية هذا الجزء . ( 4 ) كذا جاء في آثار البلاد ( ص 491 ، 547 ) ، وكتاب الجغرافيا ( ص 166 ، 167 ) ، واللمحة البدرية ( ص 21 ) .